الفيض الكاشاني
386
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
لنفسه ، ويفتر عن وظائف عباداته فذلك علامته أن لا يهجس في قلبه وسواس ولا يخطر بقلبه معصية ولا تزعجه هواجم الأهوال ولا تستفزّه عظائم الأشغال ، وأنّى يرزق هذه الرتبة كلّ أحد فيتعيّن على الكافّة ترتيب الأوراد كما ذكرناه ، وجميع ما ذكرناه طرق إلى اللَّه تعالى ، قال اللَّه تعالى : « قل كلُّ يعمل على شاكلته فربّكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا » ( 1 ) فكلَّهم مهتدون وبعضهم أهدى . وفي الخبر « الإيمان ثلاث وثلاثون وثلاثمائة طريقة من لقى اللَّه تعالى بالشهادة على طريق منها دخل الجنّة » [ 1 ] . وقال بعض العلماء الإيمان ثلاثمائة وثلاثة عشر خلقا بعدد الأنبياء المرسلين كلّ مؤمن هو على خلق منها فهو سألك للطريق إلى اللَّه تعالى فإذن الناس وإن اختلفت طرقهم في العبادة فكلَّهم على الصراط المستقيم « أولئك الَّذين يدعون يبتغون إلى ربّهم الوسيلة أيّهم أقرب » ( 2 ) فإنّما يتفاوتون في درجات القرب لا في أصله وأقربهم إلى اللَّه أعرفهم به وأعرفهم به لا بدّ أن يكون أعبدهم له فمن عرفه لم يعبد غيره والأصل في الأوراد في حقّ كلّ صنف من الناس المداومة فإنّ المراد منه تغيير صفات الباطن وأحاد الأعمال تقلّ آثارها بل لا يحسّ بآثارها وإنّما يترتّب الأثر على المجموع وإذا لم يعقب العلم الواحد أثرا محسوسا ولم يردف بثان وثالث على القرب انمحى أثر الأوّل وكان كالفقيه لا يصير فقيه النفس إلا بتكرار كثير فلو بالغ ليلة في التكرار وترك شهرا أو أسبوعا ثمّ عاد وبالغ ليلة أخرى ثمّ ترك لم يؤثّر هذا فيه ولو وزّع ذلك القدر على اللَّيالي المتواصلة لأثّر فيه ، ولهذا السرّ قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « أحبّ الأعمال إلى اللَّه أدومها وإن
--> ( 1 ) الأسراء : 84 . ( 2 ) الاسراء : 57 . [ 1 ] لم أجده إلا أن في مجمع الزوائد ج 1 ص 36 من رواية أبي يعلى والطبراني في الكبير نحوه ، وقال في المغني : أخرج ابن شاهين واللالكائى في السنة والطبراني والبيهقي في الشعب من رواية المغيرة بن عبد الرحمن بن عبيد عن أبيه عن جده « الايمان ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون شريعة ، من وافى منهن شريعة دخل الجنة وقال الطبراني والبيهقي « ثلاثمائة وثلاثون » وفي اسناده جهالة .